Skip to Content
23 سبتمبر 2004

كلمة سمو ولي العهد في ورشة العمل الموسعة حول سبل إعادة هيكلة وإصلاح سوق العمل في مملكة البحرين

بسم الله الرحمن الرحيم،

شهد العالم العربي خلال الـخمسين سنة الماضية تغييرات هائلة. وفي خليجنا العربي أدى اكتشاف النفط إلى تغيير جذري في نمط حياتنا، وانه من الواضح أن واقع الـحياة في المنطقة لا يلبي تطلعات شعوبها. ولذا فإن جميع حكومات ومؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي تبحث عن مفهوم أفضل للمستقبل، ومن الواضح للكثيرين الآن، أن مفاهيمنا القديمة وسياساتنا الاقتصادية ترتكز على تاريخ انطوت صفحاته.

وفي ظـل القيــادة الرشيـدة لصاحب الـجــلالة الملك حمـد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، وبفضل دعم حكومته برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة الموقر، وشعب المملكة الكريم، نحن نقف في طليعة التطور في المنطقة. لقد أدى برنامج الإصلاح الذي قاده جلالة الملك إلى حركة إحياء سياسي وثقافي واسعة النطاق لم تشهدها البلاد منذ سنين طويلة، فلم يتمتع أبداً المجتمع المدني وأجهزة الإعلام بمثل هذه القوة من قبل. وهذا يجعلني أشعر بكثير من الفخر والاعتزاز بأنني من أبناء هذا الوطن. وإننا إذ نواصل دفع عجلة التقدم في البحرين إلى الأمام مع التوسع في حوار وطني يسهم فيه الـجميع، فإن هذا وحده ليس كافياً من أجل المضي قدماً في عملية الإصلاح الشامل. وإذا لم نضع الإصلاح الاقتصادي الـحقيقي في محور اهتمام الـحوار الوطني الموسع، فسوف نكرر الـخطأ، وستكون الكلمات خاوية بلا معنى، وتظل النوايا دون عزيمة والسياسات دون تطبيق. ولهذا نحن نجتمع هنا اليوم، لكي نكون شركاء في وضع رؤية اقتصادية جديدة لمملكة البحرين، رؤية تستكمل الإصلاحات التي غيّرت واقعنا خلال السنوات القليلة الماضية.

من الآن فصاعداً، لا أريد أن أسأل أبداً عن مستقبل اقتصادنا فأتلقى إجابات مختلفة، ولا أريد أن أرى النجاح الاقتصادي يمر على مواطنينا ولا يحظون منه بفرصة ولا نصيب، ولا أريد أن أشهد مواهب الشباب تهدر لأنهم لم يجهزوا لمواجهة واقع الاقتصاد في بلادنا.

عندما أسمع عن نجاح المشاريع التجارية أشعر بالاطمئنان، ولكن بعد أي جولة أتفقد فيها أحوال مدن وقرى المملكة وأتحدث مع الناس أشعر بعدم الرضا.

لا يرضيني أن أجد من بين كل ثمانية بحرينيين هناك شخصاً عاطلاً عن العمل. لا يرضيني أن يكون كثير ممن نجحوا في الـحصول على وظيفة يحصلون على رواتب ضعيفة. إني أشعر أيضاً بعدم الرضا بأن متوسط الأجور التي يتسلمها البحرينيون قد انخفض بنسبة ست عشرة بالمئة (16%) خلال السنوات العشر الأخيرة.

لقد أصبح من الواضح لي انه إذا استمرت البحرين على هذا المنوال، فلن ننجح في تحقيق آمالنا وتطلعات الأجيال القادمة. إن العمل على تحديد المسار الصحيح للبحرين يبدأ اليوم. ومازال أمامنا الكثير لكي نستطيع أن نعطي الـحلول الدقيقة والنهائية. فلن تأتي هذه الـحلول إلا من خلال الـحوار البنّاء الواعي المبني على الـحقائق الثابتة.

أتمنى أن يكون هذا الاجتماع بداية لـحوار وطني شامل حول مستقبلنا الاقتصادي، وما أصبو إليه هو إعداد خطة اقتصادية وطنية نستطيع من خلالها أن نضع الآليات والسياسات التي تمكن اقتصادنا من الوصول إلى كامل إمكانياته. ولن يتحقق هذا الأمل دون مساعدتكم، إني أتفهم شعور العديد منكم بشأن الطريقة التي تم بها معالـجة بعض المشاكل الاقتصادية من قبل بعض الـجهات، فغالباً ما اتّسمت هذه الطريقة بالعشوائية والتضارب. وكثيراً ما أدى حل مشكلة ما إلى خلق المزيد من المشاكل. وهذا يرجع إلى تغيير التوجهات دون استشارة أو عناية كافية. ونتيجة لذلك غاب الوضوح وفقدت الثقة. وكثيراً أيضاً ما تم الاكتفاء بمعالـجة أعراض المشاكل، تاركين جذورها دون علاج. واليوم لا نرى في اقتصاد البحرين سوى قطاعات قليلة تحقق النجاح المطلوب، والـحقيقة هي أن الغالبية العظمى من أصحاب الأعمال والعاملين في القطاع الـخاص غير راضين عن الأوضاع الـحالية. علينا أن نضع حداً لكل ذلك وإنهاء هذه الأوضاع.

– يجب أن يكون المستقبل مختلفاً.
– يجب أن يكون للبحرينيين الأولوية.
– يجب أن يتم تنشيط الاقتصاد.
– يجب تطوير نظامنا التعليمي إلى أعلى مستويات الامتياز.

لا أعتقد أن من الصواب أنه بينما يظل واحد من بين كل ثمانية بحرينيين عاطلاً عن العمل تذهب وظيفتان من بين كل ثلاث وظائف جديدة إلى العمالة الوافدة. وللأسف فإن هؤلاء الذين يواجهون هذه المشكلة يشعرون بأنهم منسيون. لا يمكن السماح لهذا الوضع بالاستمرار، إنها مسألة عدالة وإنصاف. نأمل أن يحصل كل بحريني على فرصة ليثبت نفسه، ونحن نحتاج القيام بالمزيد لضمان تحقيق ذلك. إني واثق من قدرات المواطن البحريني، وأنه إذا عومل هذا المواطن على نحو لائق، وأعطي الـحوافز المناسبة، فسوف يكون مخلصاً في عمله ووفياً له ومنتجاً كما يجب أن يكون. وأيضاً، نحتاج إلى تخصيص مزيد من الوقت والموارد لضمان أن أنظمة التعليم والتدريب في البحرين مستعدة لمواجهة التحدي. يجب ألا تقتصر العملية التربوية على تدريس المهارات الأساسية فقط، يجب أن نضمن تزويد البحرينيين بالسلوكيات التي تؤهلهم للنجاح. وإن أردنا أن يكون البحرينيون هم الـخيار الأول لشغل الوظائف في القطاع الـخاص، فمن الضروري تزويدهم بما يلبي متطلبات العصر الـحديث. فهم يحتاجون إلى اكتساب مهارات عالية تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد والمجتمع.

إن إصلاح سوق العمل أمر ضروري ولكنه ليس كافياً. لأن التحدي الـحقيقي أمام الاقتصاد البحريني هو كيفية النهوض به إلى أعلى مستويات القيمة المضافة. وأن تركز البحرين على أن تكون الأفضل وليس الأرخص. ولا تستطيع البحرين الدخول في منافسة مع الهند أو الصين من حيث تكلفة العمالة.

يتوجب علينا أن ندعم القطاع الـخاص، وأن نجعله محرك النمو الاقتصادي وذلك يتطلب تغيير المهارات التي يعتمد عليها حالياً، كما يتطلب إلغاء القيود التي تحد من حريته وتعرقل نموه، ونحتاج إلى التغلب على الاتكالية والاعتماد على الغير وإعادة ترتيب أولويات الاستثمار لدعم الإنتاجية.

ويعتبر هذا الاجتماع المتميز الذي يجمع في قاعة واحدة نخبة من قيادات المملكة لمناقشة مستقبل الوطن هو خطوة هامة على الطريق الصحيح، وأتمنى أن نكون جميعاً على مستوى التحدي، وأن نتجاوز المصالـح الشخصية، وأن نضع المصلـحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار.

واليوم نحن نتحدث عن إصلاحات سوق العمل. وهي بداية مسيرة الإصلاح الذي يتزامن معه إصلاح الاقتصاد وإصلاح التعليم والتدريب.

إذاً كيف سنقيّم النجاح بعد نهاية هذا الاجتماع؟ سأعتبره نجاحاً إذا وفقنا جميعاً في فهم أننا أمام مشكلة كبيرة تحتاج إلى حل، وهي مشكلة لا يمكن أن تحل إذا سرنا على نفس الطريق الذي نسير عليه حالياً.

سوف أعتبره نجاحاً إذا اتفقنا على أن السبيل إلى بناء مستقبل زاهر يتطلب الالتزام بإعطاء الأولوية للبحرينيين.

وختاماً السؤال الذي يجب علينا أن نضعه أمامنا هو: من نريد أن نكون كبحرينيين؟