Skip to Content
16 يوليو 2009

كلمة سمو ولي العهد أمام مؤتمر القمة الـخامسة عشرة لـحركة عدم الانحياز في شرم الشيخ

بسم الله الرحمن الرحيم

أصحاب الـجلالة والفخامة والسمو،

باسم حضرة صاحب الـجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين، يسرني أن استهل كلمتي بتهنئة فخامة الرئيس محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية، على رئاسته أعمال مؤتمر القمة الـخامسة عشر لـحركة عدم الانحياز، وعلى جهوده الـحثيثة من أجل إيجاد مناخ دولي أكثر ملائمة للتعاون بين الدول في ظل عالم يسوده الأمن والعدالة والسلام، متمنيا لفخامته التوفيق والنجاح في إدارة أعمال مؤتمرنا هذا، كما أشيد بدور مصر الشقيقة في العمل على تعزيز دور حركة عدم الانحياز منذ تأسيسها وبالإخوة والصداقة الوثيقة التي تربط بلدينا الشقيقين.

إننا اليوم نعيش لـحظات تاريخية مفعمة بذكريات الماضي وتفاعلات الـحاضر وآمال المستقبل، أتينا إلى مصر… أرض الكنانة… لـحضور القمة الـخامسة عشر لـحركة عدم الانحياز، حاملين آمالنا العريضة بالتفاهم والتعايش الإنساني المشترك، وإن أول ما يجول بخاطري أن نسأل أنفسنا عن موقفنا كحركة عدم الانحياز، عن تزايد الفتن الإقليمية والصراعات الدولية وبؤر التوتر واشتعال الـحروب في مناطق كثيرة من العالم وتسابق محموم من بعض الدول نحو امتلاك أسلـحة الدمار الشامل.

السيد الرئيس،

تأسست حركة عدم الانحياز إبان انهيار النظام الاستعماري وفي ذروة الـحرب الباردة، وكانت وراء نجاح كثير من الدول والشعوب في الـحصول على حريتها وتحقيق استقلالها السياسي الذي كان وسيلة وهدفا من أهداف الـحركة لبلوغ الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، إلا أن نهاية الصراع بين القطبين فضلاً عن الصعوبات الداخلية والصراعات بسبب عدم التجانس بين الدول الأعضاء وتضارب مصالـحها السياسية والأيديولوجية، كان التحدي الأكبر لـحركة عدم الانحياز وتراجع دورها وعدم تحقيق مبادئها وأهدافها التي قامت عليها في الـحفاظ على السلم والاستقرار العالمي.

وهذا يدفعنا إلى أن نفكر معا في رؤية جديدة لعدم الانحياز، مستمدة من التحولات والتطورات السياسية التي استحدثت على الساحة الدولية، ترتكز على المصالـح الاقتصادية المشتركة، وتقوم على البرامج الواقعية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة المستدامة، بأسلوب علمي ومنهجي، وإمكانيات حل الأزمات الدولية والاقتصادية والمالية من خلال التعاون الدولي، وفقا لمبادئ القانون الدولي المتمثل في الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

السيد الرئيس،

إن مرور 54 عاما على تأسيس حركة عدم الانحياز يسبغ على أعمال هذه القمة أهمية خاصة وطابعاً مميزاً مختلفاً عن سابقاتها، فهناك مشاكل الأمن الغذائي والتصحر والتغيير المناخي والكوارث الطبيعية والأزمة المالية والقضايا السياسية والسلاح النووي وغيرها، تزداد يوما بعد يوم. ولعل عزاءنا الوحيد إزاء هذه المشاكل هو إيماننا بقدرتنا وإصرارنا على مجابهة الصعاب لمعالـجتها وحل قضايانا.

يعتبر ضمان الأمن الغذائي العالمي في ظل التغيير المناخي، أكبر التحديات التي نواجهها في هذا القرن بسبب تأثير التغيير المناخي على الثروة الزراعية والثروات الـحيوانية والسمكية، وما يسببه من مشاكل متداخلة ومعقدة لعل أهم عواملها الفقر والوقوع في براثن الـجوع المزمن، الذي يشمل حالياً سدس البشرية، ففي كل عام يفقد العالم نحو 691 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الزراعية نتيجة لعملية التصحر، وحسب تقرير الصندوق العالمي للطبيعة (World Wide Fund for Nature) فقد فقدت الأرض نحو 30 في المئة من مواردها الطبيعية ما بين عامي 1970م و 1995م، ما يمثل خطراً جدياً على السلام والأمن في العالم، يستوجب دعم برامج الاستثمارات في الزراعة في البلدان النامية للنهوض بإنتاجها الزراعي للـحدّ من الفقر والـجوع.

السيد الرئيس،

يعتبر العام 2009 هو العام الأكثر تحديا وأهمية في تاريخ الإنسانية في حربها ضد التغيير المناخي، وذلك لما قد تتعرض له الإنسانية من أخطار، إذا لم يتمكن العالم من التعامل مع هذا التحدي بتوفير الطاقة النظيفة والآمنة والمحافظة على التنوع البيولوجي وضمان الأمن الغذائي، ومعالـجة ذلك في إطار نهج متعدد الـجوانب، ومن هذا المنطلق تقع على عاتق الدول الصناعية الكبرى في العالم مسئولية المبادرة بخفض الانبعاث الـحراري، وخاصة أن العالم سوف يواجه تحديات مؤتمر كوبنهاجن المقرر في ديسمبر/ كانون الأول المقبل من أجل التوصل إلى اتفاق دولي لتحقيق الأهداف والإجراءات للـحدّ من التغيير المناخي، مما يمهد الطريق لمجتمع عالمي أكثر استدامة.

ولقد أكد تقرير التقييم العالمي للـحدّ من الكوارث الذي انطلق من المنامة، عاصمة بلادي في مايو/ أيار الماضي، على الترابط العضوي بين تغيير المناخ والكوارث الطبيعية وعلى أهمية وجود سياسة وطنية للـحدّ من الكوارث، لأننا في البحرين على سبيل المثال معرضون بوجه خاص لارتفاع مستوى سطح البحر مما سوف يهدد تطور الـحياة البحرية والساحلية.

السيد الرئيس،

يمرّ الاقتصاد العالمي بأزمة خانقة تخيّم بشبحها على حاضر ومستقبل شعوب الأرض قاطبة، وربما تكون الأزمة المالية الـحالية مدعاة لتكون محورا أساسيا للتعاون الدولي.
إلا أن ثقل وطأة الأزمة المالية العالمية لم يواكبها تعاون دولي فاعل لمواجهة تحديداتها الراهنة. فقد خرجت الأزمة المالية من طور المشكلة إلى طور الأزمة لتمس إنعاكساتها مصير الإنسان، وذلك بعد أن قلصت فرص العمل وزادت البطالة مما أدى أيضا إلى زيادة حدة الفقر. إن ذلك يدفعنا إلى إعادة التفكير بتقويم مسار العلاقات الاقتصادية الراهنة بين الدول من أجل إقامة نظام اقتصادي دولي جديد أكثر ازدهاراً، وإدخال إصلاحات جذرية على هيكل النظام الاقتصادي الـحالي، لمعالـجة مشاكل الركود الاقتصادي الذي أدى إلى انعكاسات سلبية خطيرة على خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية.

ومن حسن الطالع أن تكون لبلادي البحرين الريادة في ظل الأزمة المالية، البدء بتنفيذ مبادرة تهدف إلى وضع الرؤية الاقتصادية 2030 بعيدة المدى، يكون هدفها واضح ومحدد وهو رفع المستوى المعيشي ومتوسط دخل الأسرة البحرينية، وذلك من خلال خلق وتحفيز الطموحات وتحسين التعليم والتدريب والرعاية الصحية وحتى تتحول البحرين إلى مركز عالمي للاستثمار التجاري.

السيد الرئيس،

تواجه منطقة الشرق الأوسط عددا من القضايا الشائكة التي هي بحاجة ماسة إلى تسوية بعد أن وصلت العملية السلمية إلى طريق مسدود. وان من بين القضايا الملـحة الـحاجة إلى سلام عادل ودائم وشامل للقضية الفلسطينية على أساس الأمن المتكافئ لـجميع شعوب منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك شعب «إسرائيل» في إطار الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، على أن يكون الـخيار هو خيار السلام العادل كما دعت إليه المبادرة العربية للسلام. وفي هذا الإطار أيضا هناك حاجة ملـحة إلى تسوية سلمية على المسار الإسرائيلي السوري تأخذ في اعتبارها الانسحاب من الـجولان السوري المحتل وبقية الأراضي اللبنانية، وأصبح ضرورياً حلّ قضية جزر الإمارات العربية المتحدة من خلال المفاوضات المباشرة أو إحالتها إلى محكمة العدل الدولية كخطوة مهمة لتعزيز بناء الثقة في علاقات دول مجلس التعاون وإيران. كما وتجدد مملكة البحرين دعوتها لـحل سلمي لأزمة الملف النووي الإيراني لإبعاد المنطقة عن ويلات الـحروب وبما يحقق الأمن والاستقرار الدوليين. كذلك توجد حاجة ملـحة لإخلاء منطقة الشرق الأوسط بما فيها منطقة الـخليج من أسلـحة الدمار الشامل بما في ذلك الأسلـحة النووية، وضمان حق جميع البلدان في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفقا لاتفاق الضمانات للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

السيد الرئيس،

وفي الـختام أود أن أعرب عن شكر مملكة البحرين لـجمهورية كوبا – دولة الرئاسة السابقة لـحركة عدم الانحياز – على جهودها ودورها المشهود في تذليل كافة العقبات التي واجهت الـحركة خلال فترة رئاستها الماضية.

وشكرا سيدي الرئيس.