كلمة سمو ولي العهد في منتدى جدة الاقتصادي
بسم الله الرحمن الرحيم،
الأخوة الحضور،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسرني أن أكون بينكم اليوم في هذه المدينة الجميلة التي أكن لها كل التقدير والاحترام، وأن أشارككم في هذا المنتدى المهم، معبراً عن فائق الثناء والتقدير للقائمين على تنظيمه لما فيه من فائدة لنا جميعاً، متمنياً للشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية المزيد من الازدهار والنماء في ظل القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله ورعاه.
الأخوة الكرام،
كما نعلم، فقد شهدت دولنا تطورات وتحولات سياسية واقتصادية كبيرة منذ زمن ليس بالقصير، فقد انفتحت هذه الدول على معطيات الاقتصاد الـحديث منذ العقود الأولى من القرن العشرين حيث بدأت إعادة هيكلة اقتصادها التقليدي القائم على الصناعات التقليدية كالرعي والزراعة والصيد البحري والتجارة البسيطة، إلى اقتصاد قائم على مبدأ التنافس والتجارة الـحرة والمبادرة الفردية، ولم تكن تلك المحاولة للتصحيح الهيكلي لمواكبة التحديث الاقتصادي عملية سهلة، ولكن بتوفيق من الله تمكنت أجيالنا الرائدة في بداية النهضة الـحديثة من الوعي إلى أهمية اللـحاق بركب التقدم الاقتصادي العالمي في أسسه ونظمه الأولى.
وفي هذا الوقت رأينا الـجيل التالي يواصل المسيرة بتشكيل مجلس التعاون لدول الـخليج العربية، ويضع الأسس الأولى للوحدة الـخليجية المتكاملة ويتخذ العديد من الـخطوات الإيجابية تجاه الهدف المنشود، فها نحن اليوم نرى الاتحاد الـجمركي ولله الـحمد قد أصبح حقيقة قائمة بين الدول الأعضاء، كما أن الاتحاد النقدي متمثلاً في مشروع العملة الـخليجية الموحدة، التي أتخذ بشأنها القرار السياسي أصبح بدوره اليوم هدفاً مستقبلياً منظوراً، بالإضافة إلى العديد من الإنجازات المتمثلة في حرية انسياب القوى العاملة ومزاولة مختلف المهن والأنشطة التجارية، مما يعني أن مسيرة التكامل الاقتصادي قد تقدمت بخطوات أساسية، وبإمكان المستثمرين بدول المنطقة بدء التخطيط لها كسوق واحدة.
أيها الأخوة الكرام،
من المؤكد أن الركب العالمي لم يتوقف قط عن المسير للتمتع بإنجازات وإبداعات العقل البشري، فها نحن نجد أنفسنا اليوم في عالم اقتصادي ذي معطيات جديدة يقوم على توحيد القوانين والسياسات في منظومة واحدة ذات أهداف واضحة، لما في ذلك من خير عظيم على شعوبه. فعلينا الآن أن نتحرك لاغتنام الفرصة السانحة أمامنا لتحقيق الفائدة القصوى لصالـح شعوبنا ومجتمعاتنا إلى مستوى أفضل. فعلى الرغم من كل ما تم تحقيقه من تنمية وبناء اجتماعي ومادي في دولنا إلا أن هناك بعض التحديات التي تواجهنا وأود الإشارة إلى بعضها:
أولاً: على الرغم من المستوى المعيشي الـجيد في دول المجلس، إلا أن معدل الزيادة في نمو الناتج المحلي الإجمالي أقل من معدل النمو السكاني.
ثانياً: إن السياسات الاقتصادية لدولنا لا زالت حمائية تضع العراقيل أمام التجارة البينية في دول المجلس، ولا تساعد على قيام أنشطة اقتصادية وتجارية جديدة.
ثالثاً: لا زلنا نعتمد بشكل كبير على تصدير سلعة واحدة، وهي النفط.
وما أردت قوله باختصار هو أن أكرر ما قاله صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء رئيس الـحرس الوطني في خطابه المتميز إلى القمة الـخليجية في مسقط، بأننا لم نحقق في المجلس إلى الآن ما يرقى إلى تطلعات وطموحات شعوبنا.
أيها الأخوة الكرام،
هذا هو حالنا اليوم، فما هي الـخيارات المتاحة أمامنا لـجعل اقتصادنا الإقليمي أكثر تلاؤماً مع التغيرات الاقتصادية المتسارعة ومبادئ الـحرية الاقتصادية؟
علينا أولاً: أن نصل إلى درجة عالية من التنويع في القاعدة الاقتصادية مما يمكننا من إنتاج وتصدير الصناعات والـخدمات ذات القيمة المضافة العالية إلى مختلف أنحاء العالم، وذلك لتحقيق المزيد من انسياب التبادل التجاري والتوازن في ميزان المدفوعات وثبات معدلات النمو الاقتصادي على المدى الطويل لرفع المستوى المعيشي لشعوبنا وخلق فرص العمل المطلوبة.
وعلينا ثانياً: الإسراع في تحقيق اقتصاد خليجي متكامل حقيقي، إن أردنا أن ننافس على المستوى العالمي ومن الضروري أن نكون كتلة اقتصادية شاملة ومتكاملة تتميز بمقدرة تنافسية عالية في الأسواق الدولية.
وثالثاً: أن يتمتع اقتصادنا بمقدرة عالية على التأقلم السريع مع المتغيرات الدولية من خلال قطاع خاص فعال يتمكن عن طريق التنافس وروح المبادرة من أن يقود التنمية بصورة مستديمة.
وبناء عليه، فإن ذلك سيؤدي إلى فوائد ومكتسبات عظيمة في مختلف الـجوانب وإنها ستثبت وبلا شك إننا سوف نستطيع التخلص من العقبات التي تعترض طريقنا تجاه ما نصبو إليه.
إن هناك العديد من الـخطوات المهمة الواجب اتخاذها للوصول إلى ما نهدف إليه. فعلينا أولاً: أن نعطي الأولوية للإسراع في تكامل المؤسسات الاقتصادية في دولنا (برامج تنظيم العمالة، وخطط التنمية الاقتصادية، على سبيل المثال) وربطها بالإطار القانوني والتنظيمي اللازم وبالسياسات وبالإجراءات الـحديثة القائمة على مبادئ الاحتراف السليم والشفافية وذلك للإسراع في إنشاء السوق الـخليجية الواحدة مما يحفز المستثمرين على الاستثمار فيها بكل أمان وحرية ومساواة.
ثانياً: فعلينا أن نحارب الفساد الإداري والمالي بشتى صوره أينما كان فليس أضر منه للاقتصاد والتنمية.
ثالثاً: علينـا أن نتعــامــل بأسلــوب النقــد البنّـــاء لأنفسنــا والكشـــف عن أخطــــائـنـا قبــل أن نــلــوم الآخــريــن لتــبـريـر قصــورنـا امـتـثــالاً لقوله تعالى في محكم كتابه العزيز – بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وعلينا أيضاً أن نضع أهدافاً أكثر طموحاً وواقعية وذات مدى بعيد للنهضة والتنمية المرجوة، وأن نعقد العزم على العمل الـجاد الدؤوب لتحقيق أهدافنا مهما كلفنا ذلك من جهد ووقت.
وفي الـختام أيها الأخوة الكرام، فإن كل ما تم ذكره ليس من الصعب تحقيقه فجميع هذه المبادئ هي من صلب ديننا الإسلامي الـحنيف، وبتكاتف جهودنا في عملٍ جماعي مشترك نبني على رؤية واضحة وتخطيط سليم وسنتمكن إن شاء الله من القيام بدور فاعل في الاقتصاد العالمي، يمكننا من المساهمة بشكل إيجابي في التنمية الاقتصادية العالمية بما ينعكس إيجابياً على تطور ورقي المستوى المعيشي لشعوبنا في مناخ ينعم بالأمن والاستقرار والازدهار.
متمنياً لمنتدانا والسادة المشاركين كل التوفيق والنجاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.