كلمة سمو ولي العهد في افتتاح ورشة العمل حول تطوير التعليم والتدريب في مملكة البحرين
بسم الله الرحمن الرحيم،
أصحاب السمو والمعالي والسعادة،
حضورنا الكرام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
في البداية، أود أن أشكركم جميعا على مشاركتكم لنا في هذه الورشة الهامة.
إننا نجتمع اليوم من أجل بداية حوار وطني جديد حول مشروع إصلاح وتطوير النظام التعليمي والتدريبي بمملكة البحرين، وهو المشروع الثالث والأخير من سلسلة المشاريع الإصلاحية التي بادرنا إلى طرحها خلال السنتين الماضيتين. وحيث إنني أتوقع أن تثار اليوم العديد من الآراء ووجهات النظر المختلفة، فإنني لا أعتقد إننا سوف نصل إلى توافق حول جميع هذه الآراء، ولكن الشيء الوحيد الذي يجب أن نتفق عليه ونعمل جميعاً على تحقيقه، وهو توحيد إيماننا المشترك بضرورة وأهمية تجويد وتحسين نظامنا التعليمي للارتقاء بمستقبل بلادنا الاقتصادي والاجتماعي نحو الأفضل.
فعلى الرغم من النجاحات التي حققناها كدولة خلال العقود الماضية، إلا أن ذلك لا ينبغي له أن يخلق لدينا شعور بالطمأنينة والاستناد على ما حققناه من منجزات ماضية، فالوضع الاقتصادي اليوم يختلف وبشكل كبير عن ما كان عليه حينما بدأنا بناء دولتنا الـحديثة. نعم، لقد حققنا الكثير من المنجزات، إلا أن العديد منها مازال ينتظرنا. فالعالم اليوم يتغير، وبوتيرة متسارعة، وعلينا العمل بإصرار على مواكبة هذا التطور واللـحاق به.
أيها الأخوة والأخوات،
إننا نقف اليوم في مملكة البحرين أمام مفترق طرق من تاريخنا، ونواجه تحديات كبيرة، لذا يجب أن تكون طموحاتنا أكبر بكثير من هذه التحديات. إننا نمتلك اليوم فرصة حقيقية وكبيرة لبناء اقتصاد قوي وحديث قادر على التنافس بنجاح مع أكثر دول العالم تقدماً. إلا أن هذا النجاح مرهون بمستوى كفاءة القوى البشرية التي تعمل فيه، وتساهم في بنائه. فالتحدي الرئيسي الذي يواجهنا اليوم، هو كيفية تنمية قوانا البشرية الوطنية العاملة، وخاصة الناشئة منها، حتى يكون بمقدورها المنافسة والنجاح في ضوء ما يشهده العالم من متغيرات واقتصاد عالمي جديد يرتكز على المعرفة والكفاءة.
واستناداً لذلك فإنه ينبغي علينا السعي الـجاد نحو تحقيق التفوق والامتياز في تعليم شعبنا، والارتقاء بقدراتهم وكفاءتهم إلى المستوى الذي يسمح لهم بالتنافس بقوة ضمن المستويات العالمية السائدة.
أنه مما لا شك فيه بأن وجود قوى عاملة مؤهلة تأهيلاً عالياً في مملكة البحرين سيؤدي إلى إيجاد اقتصاد ذو إنتاجية عالية، وهو عامل هام ورئيسي لـخلق الثروة كما هو الـحال في جميع الدول المتقدمة. لذا فإن تمتع مواطنينا بمستوى تعليمي أفضل، وأكثر كفاءة، سيقودهم إلى تحقيق إمكانيات تنافسية أكبر في سوق العمل، ومن ثم مساعدتهم على تحقيق مستوى معيشة أفضل لهم ولأسرهم. وحيث أن التعليم هو الوسيلة الأساسية التي تمكن الفرد من تحسين مستواه والارتقاء به إلى طبقات اجتماعية أعلى، فإن تحقيق ذلك يتطلب سعياً جاداً وحثيثاً من قـِبل كل فرد منا.
أيها السيدات والسادة،
إن تزويد قطاعات عريضة من مجتمعنا بالمهارات والقدرات المطلوبة من أجل تحقيق التقدم والتنمية الاقتصادية يتطلب منا جهوداً مضاعفة من أجل تحسين جودة نظامنا التعليمي والتدريبي.
علينا أن نؤمن بأن التعليم ليس كلفة مالية فقط، بل هو استثمار في صالـح مستقبلنا الوطني. وفي حالة مملكتنا بالأخص، فإن التعليم هو أكبر استثمار يمكن أن نوجهه لصالـح أهم مورد لدينا، ألا وهو المواطن البحريني.
إننا نأتي اليوم من قطاعات تعليمية ومهنية مختلفة في مجتمعنا، من مدارس حكومية ومن مدارس خاصة، من الـجامعات ومن مراكز التدريب، من الوزارات ومن الشركات، من الإعلام ومن الـجمعيات المهنية والسياسية، نأتي جميعاً لمناقشة موضوع واحد هو التعليم، وهو في حد ذاته تحد كبير.
إن هذا التحدي يتمثل في أنه لدى كل واحد منا آراؤه المقدمة سلفاً حول التعليم، والتي تطورت لدينا على مدى أعوام عديدة من خلال تجاربنا الذاتية – الـجيدة منها أو السيئة – والتي قد يكون حصلنا عليها من خلال المدرسة، أو أثناء تعليمنا الـجامعي، أو من خلال الدورات التدريبية التي شاركنا فيها، أو من جرّاء مراقبتنا الدقيقة لتعليم أطفالنا. ولكن من أجل تحقيق النجاح لهذه الورشة فإنني أدعوكم اليوم مخلصاً إلى نسيان كل ذلك.
الأخوة والأخوات الـحضور،
لقد طلبت من وزارة التربية والتعليم، ووزارة العمل، وجامعة البحرين ومجلس التنمية الاقتصادية العمل بشكل جماعي لدراسة وتقييم الوضع الـحالي دون النظر إلى موروثات الماضي. ولقد عملت فرق العمل المكلفة هذه بشكل مشترك، واطلعت على الكثير من الإحصائيات والدراسات، وقامت بالعديد من المسوحات والمقابلات، وأعدت لنا في المحصلة النهائية تحليلاً شاملاً للوضع الراهن للنظام التعليمي والتدريبي في البحرين، والذي يسعدنا أن يتم عرضه عليكم اليوم من خلال هذه الورشة.
ولكن ليكون واضحاً لديكم منذ البداية، إننا لن نقوم في هذه الورشة بشرح وتفنيد السياسات الماضية، كما لن نقوم بتبرير الإجراءات الـحالية أو إدارة حملة على السياسات والقرارات التعليمية السابقة. إننا فقط مدعوون اليوم لتحقيق هدف واحد وهو، تحديد ماذا يجب أن يكون عليه نظامنا التعليمي؟، من أجل ذلك فإننا متلهفون للاستماع إلى آرائكم واقتراحاتكم بكل عناية واهتمام.
إنني أتوقع منكم الكثير، وأدعوكم بداية إلى ترك الماضي والمشاركة بفعالية في هذه الورشة، والأهم من كل ذلك هو مناقشة كل الآراء بكل حرية وشفافية تامة. إنني على يقين بأن مشاركتكم سوف تثري النقاش، وان أفكاركم لن تتقيد بالأفكار الموروثة. أريد منكم أن تضعوا الـحلول لمشاكلنا، وأن تساهموا في تصميم نظام تعليمي مستقبلي يخدم شعبنا وبلادنا، لذا فأنتم مدعون إلى النظر إلى الأمام وإلى المستقبل وليس إلى مخلفات الماضي وموروثاته.
إنني مهتم شخصياً بإصلاح النظام التعليمي والتدريبي بمملكة البحرين، وأملك الكثير من الأمل والطموح في ذلك، إلا أنني أؤمن بأننا سوف نواجه الكثير من التحديات، ومع ذلك فإنني على يقين بأننا قادرون، ولو بعد حين، على السيطرة على هذه التحديات والتغلب عليها لو تضافرت جهودنا وعملنا بشكل مشترك، فالتعليم كالسفينة الكبيرة التي تتحرك ببطيء، ولكنها تتقدم وتزداد ثباتا ورسوخاً بزيادة خبرات ملاحيها.
دعونا نتأكد من أننا نقوم بتطوير نظام تعليمي ذو مستوى عالمي في البحرين، وإننا نمتلك الطموح لتوفير هذا التعليم والتدريب المصنف عالمياً في جميع مدارس البحرين وجامعاتها، وفي كل مراكز التدريب المهنية والتقنية التي نملكها. ولنعزز بعد ذلك طموحنا بالنظر في أمثلة لدول أخرى استطاعت أن تبني رخائها ورفاهيتها على المعرفة وتعزيز قدرات مواطنيها.
أنني اليوم جد متحمس ومتفائل، وأرجو أن تكونوا انتم كذلك، فلنخطو معاً وبصورة مشتركة خطوة أولى إلى الأمام، خطوة نعيد فيها صياغة نظامنا التعليمي والتدريبي بالشكل الذي نطمح إليه، ولنثق دائماً بأننا لن نفقد وجهتنا أو نحول عنها ما دمنا نملك العزيمة والإصرار والإرادة. ولنتأكد أيضاً بأن مسعانا سوف يتركز باستمرار على بناء قدرات أفضل لشبابنا ومستقبل أجمل لبلادنا.
مرة أخرى شكراً جزيلاً على مشاركتكم،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.