Skip to Content
3 ديسمبر 2007

كلمة سمو ولي العهد في المؤتمر السنوي السادس لمؤسسة الفكر العربي «الإستراتيجية العربية لعصر العولمة»

بسم الله الرحمن الرحيم

صاحب السمو الملكي / الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز. . الموقر
رئيس مؤسسة الفكر العربي

أصحاب السمو والسعادة،
أيها السيدات والسادة،
الـحضور الكرام،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

إنه لمن دواعي سروري أن أرحب بكم جميعاً في مملكة البحرين، وأن أنقل لكم تحيات حضرة صاحب الـجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المفدى، وتمنيات جلالته لمؤتمركم كل التوفيق والنجاح.

وأود بداية أن أتقدم بوافر الشكر والتقدير، إلى الأخ العزيز صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة، رئيس مؤسسة الفكر العربي، على اختيار مملكة البحرين لاستضافة المؤتمر العام السادس لمؤسسة الفكر العربي (الإستراتيجية العربية لعصر العولمة)، والذي نعتز هنا في البحرين بوجودكم بيننا، وبتشريف هذه النخبة من أهل الفكر والثقافة والاقتصاد الذين قدموا إلينا من مختلف الأقطار لنتبادل معهم الـحوار والـخبرة والمعرفة حول مجمل القضايا والتحديات التي تواجه أمتنا العربية.

واسمحوا لي، قبل أن أبدأ بالـحديث عن موضوع هذا المؤتمر، أن أغتنم هذه الفرصة لأن أشدّ على أيدي رئيس وأعضاء ومنتسبي «مؤسسة الفكر العربي»، وأن أتقدم إليهم بالتهنئة الـخالصة على إطلاقهم «لمشروع التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية»، الذي يمثل مبادرة لعملٍ تطوّعيّ ثقافيّ لاستنهاض القوى الفكرية والتنمويّة في الوطن العربي، وذلك انطلاقاً من إيمان المؤسسة بالمسؤولية الاجتماعية لرأس المال ودوره في تعزيز البناء الثقافي، ورغبة منها في التشخيص الموضوعي للواقع الثقافي العربي، كوسيلة لاستشراف آفاق المستقبل.

أيها السيدات والسادة،

لا يخالـجني أدنى شك، من أن اختيار مؤتمركم الموقر لهذا الموضوع الـخطير، والذي يعني بدراسة وضع إستراتيجية عربية قادرة على التأقلم والاستفادة من المعطيات السياسية والاقتصادية والثقافية والتقنية التي تفرضها المتغيرات الـجديدة التي بدأت تطرأ على عالمنا المعاصر، والتي اتفق على تسميتها بالعولمة، نابع من إدراككم وإدراك عموم مجتمعاتنا العربية لما لهذا الموضوع من أهمية قصوى على مستقبل كياناتنا وأمتنا العربية، ودورها المتصل والمساهم في البناء الإنساني عبر العصور المختلفة.

إن قدرة عالمنا العربي على التكيف مع معطيات عصر العولمة والاستفادة من الإمكانيات الضخمة التي يوفرها، وخاصة تلك التي تتوفر لدى الدول المتقدمة الكبرى، هو التحدي الأكبر الذي يواجه أمتنا العربية في حاضرها الراهن، والذي يتطلب منا بدايةً، كسبيل لاستشراف آفاق المستقبل ومواجهة هذا التحدي الكبير، إجراء تشخيص موضوعي لواقعنا العربي، وأن ننظر إلى «صورة واقع الـحال» الذي نعيشه بمنظور تمحيصي وتأملي مغاير، وبنظرة متعمقة وبرؤية حكيمة بهدف استقراء هذا الواقع وتحديد مكامن القوة والضعف فيه.

وإذا كان إجراء التشخيص الموضوعي لواقعنا العربي بداية لدخول عصر العولمة الواسع، فإن إرادة التغيير والإصلاح لهذا الواقع، وما يتطلبه من تضحيات كبيرة، هو في اعتقادنا حجر الأساس لإعادة انبثاق نهضتنا وحضارتنا العربية من جديد.

إن واقع العولمة أضحى اليوم، أيها الأخوات والأخوة، حقيقة لا مناص منها. فلا يمكن لأي أمة مهما توفرت لها من إمكانيات وطاقات أن تحقق النمو والتقدم دون أن تكون لها القدرة على التعاطي الإيجابي مع المتطلبات التي يفرضها هذا العصر.. ونحن في الوطن العربي بما حبانا الله من موارد وطاقات بشرية، وبما نـملكه من قـيم عـظيمة، قادرون أن نـؤثر بشـكل خلاق ومبدع على مجريات التطور في عالمنا المعاصر، وأن نساهم إيجابياً ومن جديد في بناء الـحضارة الإنسانية، كما فعل أسلافنا الأوائل الذين استطاعوا عبر تواصلهم الفكري وتمازجهم الواعي مع الـحضارات الأخرى أن يقودوا التقدم الإنساني قرون عديدة.

وحريٌّ بنا نحن اليوم – في عصر العولمة وفي ظل توافر كلّ سبل التكنولوجيا والاتصال المتاحة، بحيث أصبح العالم عبارة عن قرية كونية – بأن نحذو حذوهم، وأن نواصل مسيرتهم التنموية والـحضارية، لتحقيق حاضراً أفضل لأنفسنا، ومستقبلاً مشرقاً لأجيالنا.

إن الـحديث عن الأمة العربية والعولمة لا يجب أن يؤخذ على أن العولمة حرب جديدة تستدعي التصدي لها وحفر الـخنادق والاستعداد لمواجهتها بمختلف أسلـحتنا التقليدية.. الـحديث عن العولمة هو حديث عن واقع جديد فرضه التطور الإنساني عبر العصور، والذي كان لنا، نحن العرب، فيه دور مؤثر.. وعليه فإن التخندق خلف مفاهيم الـخوف والانغلاق سوف يجعل منا أمة تعيش خلف مجريات التاريخ والتطور.. لذا فإن واقعنا الـجديد يحتم علينا السير بخطوات ثابتة ومتوازية نحو الانفتاح والتمسك بهويتنا والانطلاق بمجتمعاتنا نحو تحقيق أهدافها في البناء والتنمية وكسب رهان المستقبل.

من هذا المنطلق، فإني أدعو شعوبنا وأمتنا العربية أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، وأن تتعامل مع مقتضيات العولمة دون خوف أو وجل، وأن تثق كل الثقة بإمكانياتها وقدراتها على تحـقيق التـطور البناء بما يتـواكب مـع متطلبات هذا العصر، وأن تسعى للاستفادة من الإمكانيات المادية والـحضارية التي تزخر بها شعوب الأرض وخاصة المتقدمة منها.

ولعلكم تتفقون معي بأن العالم العربي لطالما كان زاخراً بالمبدعين والمفكرين، رجالاً ونساء، من الذين ساهموا في تغيير وجه التاريخ الإسلامي والعربي، بل والعالمي إبّانَ بعض الـحُـقب التاريخية، وخاصةً
في مجالات العلوم والمعارف التي قدمت للبشرية نفعاً عظيماً، والتي ما زالت تمثل الأساس الذي ارتكزت عليه بعض العلوم والتخصصات الـحديثة الأكثر أهمية في عالمنا المعاصر.

أيها السيدات والسادة،

إننا ندرك جميعاً بأن الواقع الذي نتعامل معه ليس بالسهل أو اليسير أبداً، ولا توجد عصا سحرية يمكنها أن تنقلنا إلى واقع أفضل بلمحة بصر.. ولكن، بالإرادة والإصرار والعمل الدؤوب والإخلاص وتكاتف الـجهود، وقبل كل شيء بالانفتاح على مجريات العصر، يمكن تحقيق أحلامنا وأهدافنا.. أو على الأقل تمهيد الطريق لأجيالنا القادمة لكي يواصلوا مسيرة التنمية والبناء. وهذا في اعتقادي مسؤولية كل إنسان يعيش فوق التراب العربي وكل مواطن يعتز بولائه وانتمائه لأرضه وأمته وعروبته.

في الـختام، أشكركم جزيل الشكر على حسن استماعكم، والشكر موصول للقائمين على مؤسسة الفكر العربي، وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز الموقر، لتنظيمهم لهذا الـحدث الثقافي العالمي في بلادنا، ولكل من ساهم في تنظيم وإنجاح هذا الـحدث، آملاً بأن يحقق هذا المنتدى الأهداف المرجوة منه وأن يستفيد الـجميع من خبرات بعضهم البعض، من أجل خدمة مجتمعاتهم وأوطانهم وأمتنا العربية.

ليوفقكم الله جميعاً وليسددَ خطاكم..إنه سميع مجيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.